طوال عام مضى، عانى لبنان الأمريّن من أزمات متتالية إقتصادية ومالية، ووبائية، تمثلت بجائحة كوفيد-19، وأمنية، جراء الإنفجارين اللذين هزا العاصمة بيروت وتسببا بمقتل أكثر من 200 شخص وبجرح الآلاف، وبأضرار جسيمة في القطاع التجاري في وسط المدينة.
صدماتٌ جديدة بالجملة عامت مع فوضى إقتصادية طويلة الأمد. وتضافرت كل تلك الأزمات معا لزيادة منسوب الفقر المدقع (8,50 دولارا في اليوم) والوسطي (14دولارا في اليوم) كما حددهما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اللبنانية.
تشير التقديرات الى أنه منذ بداية العام 2020 تزايد عدد من باتوا في خانة الفقر المدقع ثلاث مرات وتضاعف تقريبا الفقر الوسطي.
إنخفاض دخل الأسر- اللبنانية والسورية والفلسطينية وغيرها- أجبرها على اللجوء الى آليات التكيّف السلبية، وبينها زواج الأطفال والإفراط في الديون وعمالة الأطفال وقلة التغذية، وكل هذا النوع من التكيّف السلبي أثر سلبا على الأطفال والأهالي على حدّ سواء.
"أعيش هنا منذ العام 1982. وكنت طوال حياتي، حتى في أحلك الظروف- بما فيها فترات الحروب- أفضل حالا من اليوم. لكن حالياً أعيش أسوأ أيامي. وكلّ ما مرّ عليّ لا يُقارن، لجهة عمق المواجهة، مع ما اعيشه اليوم. ففي بداية العام الماضي، كان مبلغ 15 ألف ليرة يشتري الكثير أما اليوم فلا يمكننا الحصول بهذه القيمة على شيء. إمتنعتُ حتى عن زيارة الطبيب- فهو سيصف لي أدوية ما عادت متوفرة وإذا توافرت لا يمكنني سداد ثمنها. ولم يعد بإمكاننا كعائلة مساندة بعضنا بعضا فكلنا "بالهوا سوا" نعاني. كل الناس مثلنا- اللبنانيون العاديون ممن كانوا وما زالوا يعملون بجد، أصبحوا، في شكل متزايد، غير مرئيين، يعيشون على هامش هذا المجتمع"- جدّة لبنانية تدعى أم ربيعة، 71 عاما، من قبّ الياس- البقاع- شمال شرقي لبنان
"كبر والدنا، وما عاد قادرا على العمل كما من قبل، وتُردد والدتنا أنها تعبت جسدياً من قضاء مزيد من الوقت في حصاد الخضار، لهذا إضطررنا أن نذهب نحن الى العمل في جمع الزجاج والبلاستيك من مستوعبات القمامة. وما نجمعه نعود ونبيعه. أحيانا، نجني 15000 ليرة لبنانية يوميا (أي دولار أميركي واحد تقريبا بحسب سعر الصرف الحالي في السوق السوداء). نتمنى العودة الى المدارس، لكن أهلنا حسب ما يقولون، يتكلون على أرباحنا للبقاء حاليا على قيد الحياة"- أنس وإبراهيم، توأم سوري لاجئان الى لبنان ولهما من العمر تسع سنوات، ويعيشان الآن في صور- جنوب لبنان.
"بلغ طفلي للتوّ عامه الحادي عشر، وهو ليس قويا بعد لينخرط في غمار العمل، لكن، لن يمضي كثير من الوقت قبل ان يضطر الى الخروج للعمل مثلي"-لبناني، أب لخمسة أطفال يدعى حمد. له من العمر 30 عاما- جامع خردة، صيدا- جنوب لبنان.
"أنا الإبنة الأصغر في عائلة تتكون من 14 طفلاً- والدي له زوجتان- وأنا الوحيدة التي لم تتزوج بعد. لذا، يفترض بي إعالة والدي المسن. هو مصاب بداء السكري ووالدتي مريضة وغير قادرة على العمل. تركت المدرسة العام الماضي وعملت في تعبئة السلع في السوبرماركت. أكسب 350 ألف ليرة لبنانية شهريا (نحو 28 دولارا أميركا وفق سعر الصرف الحالي في السوق السوداء). ليست هذه هي الحياة التي طمحت إليها. أتحدث أحيانا مع صديقاتي حول خططنا المستقبلية ووجوب الإلتحاق بالجامعة، لكن ذلك قد لا يحدث أبدا. أحتاج أن أعمل لإعالة والدي" –سهام، لاجئة سورية لها من العمر 15 عاما، تعيش الآن في مدينة صور- جنوب لبنان.
"عندما وصلنا الى لبنان من أدلب، كلاجئين، قبل ستة أعوام، لم يكن لدينا إلا الثياب التي علينا. تعرض منزلنا الشهر الماضي الى حريق وخسرنا من جديد كل ممتلكاتنا. وعلينا الآن أن نعيد بناء حياتنا مرة أخرى. صعبٌ جديد تلمس طريق المستقبل. ديوننا تتزايد والحياة شاقة جدا على طفلنا الصغير وعلينا"-لاجئ سوري يدعى عدنان، له طفل وحيد عمره 12 عاما مصاب بمتلازمة داون ويعيش في منطقة البداوي- شمال لبنان.
"فقدنا القدرة على شراء ما كنا قادرين على الحصول عليه قبل عامين. إعتاد زوجي على القيام بأعمال مؤقتة لكن، بعد أن اشتدّت الأزمة، أصبح ذلك مستحيلا. وهو أصيب في الفترة الأخيرة بالمرض. أنا أعمل في الزراعة وفي صناعة الزخارف من مواد معاد تدويرها، لكني لم أتمكن من بيع أي قطعة منذ أشهر عدة. ولدنا الأكبر (20 عاما) يسعى بدوره الى مساعدتنا من خلال أعمال مؤقتة ايضا يقوم بها. أحاول قدر الإمكان الحدّ من نفقات الأسرة لضمان صرف ما يجنيه ولدي كلفة ما نحتاج إليه من طعام ودواء. على سبيل المثال، إمتنعتُ عن زيارة والديّ اللذين يعيشان على مسافة بعيدة بعض الشيء لتوفير نقود الإنتقال وشراء الطعام بها".- عبير، فلسطينية وأم لسبعة أطفال. تعيش في مخيم برج البراجنة- ضاحية لبنان الجنوبية.
"مثلهم مثل جميع الأطفال في لبنان، عجز أولادي طوال أكثر من عام عن الإلتحاق بالمدرسة. لكن، حين سيعود كل الأطفال الآخرين الى مدارسهم فإن أطفالي لن يعودون. فزوجي غير قادر على العثور على عمل، ولم يعد بإمكاننا تحمل تكاليف انتقالهم الى المدرسة. عندما ينطلق الفصل الدراسي الجديد ستبقى مقاعد أطفالي خالية"-ناديا، أم لبنانية لثلاثة أطفال- حياطة-جبل لبنان.
"نعيش على الدعم الذي يصلنا من الأمم المتحدة وعلى الديون التي زادت كثيرا في الآونة الأخيرة. تمنحنا الأمم المتحدة 500,000 ليرة لبنانية شهريا- وهو مبلغ يفترض ان يكفينا جميعا وعددنا ستة أشخاص. حين كان زوجي يعمل كنا نعيش نوع من الإكتفاء لكنه ما عاد قادرا على العثور على فرصة عمل. وارتفعت الاسعار في شكل جنوني. تزوج إبني الأصغر للتوّ من فتاة لها من العمر خمسة عشر عاما. هي مليئة بالحياة وأحبها كثيرا لكن إنضمامها الى عائلتنا معناه أنه إزاد عدد من علينا إعالته"- سارة، لاجئة سورية لها من العمر 43 عاما، تعيش في عرسال- شمال شرق لبنان.
"توفي والدي منذ عامين، وبدلا من أن أستعد لأعمل في الخريف المقبل في الحرم الجامعي، أمضيت وقتي في نزع الحشيش وتقليم الأغصان وقطع الأشجار. وجدت نفسي مضطرا الى العمل مكان والدي كوني قد أصبحت بعد رحيله معيل الأسرة. أتمنى أن أتمكن من خلال ذلك أن أؤمن معيشة أخوتي وأخواتي وأتيح لهم البقاء في المدرسة"-اللبناني أيمن غزاوي، من بلدة برقايل في شمال لبنان- له من العمر 18 عاما واضطر أن يتوجه الى العمل ليعيل أسرته.
"طفلتي الصغرى تعاني من عيب في الانبوب العصبي و"السنسنة المشقوقة" Spina bifida ومن مياه في الدماغ. لم يعد بإمكاني تحمل تكاليف علاجها وأنا حامل الآن أيضا- وأواجه بعض المضاعفات. ليس في حوذتي مالا وأحتاج الى علاج نفسي أيضا وأيضا. وكل ما انتظره حاليا هو مشيئة الله"- لاجئة سورية وأم لطفلين تدعى غرام الحمد، لها من العمر 27 عاما، وتعيش في درب السيم- صيدا، جنوب لبنان.
"تعتمد الأسر حاليا إجراءات جد قاسية من أجل إعالة نفسها. وهذا يتسبب بكثير من اليأس، خصوصا بعدما استنفدنا كل الخيارات الأخرى. يرسل الأهالي أطفالهم- وبعضهم لم يتعد الست سنوات- الى العمل. وينتهي الأمر بهؤلاء الأطفال الى بيع السلع في الشوارع أو العمل في مواقف السيارات أو في أعمال البناء، فيتعرضون الى أخطار مختلفة، بينها العنف وسوء المعاملة. مآسي كثيرة نعيشها تتسع وتزيد بين السكان في شكل لم نشهد له مثيل من قبل، وذلك لدى جميع الشرائح والقطاعات والجنسيات- بين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين"- رولا زيني، عاملة لدى "الحركة الإجتماعية" شريكة اليونيسف- طرابلس.
تعمل اليونيسف في شكل وثيق مع شركائها المحلييين لتحسين نظام الحماية الإجتماعية من خلال تعزيز القدرة المؤسساتية للإستجابة للصدمات الإجتماعية والإقتصادية ومواطن الضعف. إنها تقدم التحليل والدراسات والمناصرة والمساعدة التقنية. في الربع الأول من العام 2021، صممت يونيسف لبنان برنامجا لتقديم المساعدة الإجتماعية السريعة للأسر الأكثر ضعفاً، وبرنامجا آخر لتوفير الحماية الإجتماعية طويلة الأجل من خلال البرنامج الوطني للمساعدة الإجتماعية.
