ترتفع نسبة عمالة الأطفال في لبنان بسبب الأزمات الإجتماعية المتفاقمة في البلاد: أزمة إقتصادية هائلة وافتقار الى الإستقرار الإجتماعي وتفشي وباء كوفيد-19 وتأثير الإنفجارين في مرفأ بيروت.
تتسبب الأزمات الإقتصادية الفادحة بخسائر كبيرة تتكبدها ملايين العائلات، وهي غالبا ما تأتي على حساب رفاهية الطفل وسلامته الجسدية. في الأرقام، يضطر طفل من كل عشرة أطفال في العالم الى العمل، نصف هؤلاء تقريبا يقومون بأعمالٍ جد خطيرة. لبنانيا، دفع الوضع الإقتصادي المزري مزيد من الأطفال للإنخراط في شكل من الأشكال في العمل لقاء أجر.
في العام الماضي، بدا مشهد الأطفال الذين يعملون في شوارع لبنان شائعا. وما يُقلق كثيرا أن كثير من العائلات باتت تتكّل في معيشتها على هؤلاء الأطفال الذين يُشكلون مصدر الدخل الوحيد لها. في هذا الإطار، إلتقينا بعدد من المراهقين- ومن يُصغرونهم سنا- ممن يعملون في مدينة صيدا، ثالث أكبر مدن لبنان، واكتشفنا هناك خفايا كثيرة دفعت بهم الى التخلي عن أحلامهم والنزول الى الشوارع. وقد عمدنا الى تغيير أسماء هؤلاء الأطفال حماية لهم ولهوياتهم.
موسى (15 عاما)، يُمضي أيامه عند تقاطعٍ مزدحم بالسيارات في وسط صيدا. نراه يحاول تجنب الإرتطام بالسيارات والشاحنات وهو يتنافس مع سواه من الأطفال في الشوارع في تناتش الزبائن وتنظيف زجاج سياراتهم عند إشارات المرور. وكل ذلك من أجل جني أقل من ثلاثة دولارات في اليوم.
فلنصغِ الى موسى يتحدث: "آتي الى هنا منذ كنت في سن الثامنة. وها أنا اليوم ربّ الأسرة الوحيد، أؤمن المال لشراء الطعام ودفع إيجار البيت الذي نسكن فيه". استرق نظرة نحو أقرانه وأومأ برأسه مضيفا: "أعتقد أنني الأقدم هنا". والأقدمية في مهنة هؤلاء الأطفال لا تفضي طبعا عن أي حقوق. ننظر إليه وهو يتابع وصف تجربته: "أحيانا نتشاجر بسبب المال، لكن كلّ الأطفال هنا يعيشون نفس الحياة التي أعيشها. لا أحد من هؤلاء قادر أن يختار بين ما يفعله هنا وبين أي شيء آخر. ولا أحد يأتي الى هنا بإرادته واختياره. هذا هو على ما يبدو قدرنا".
والد موسى مريض. وهذا ما يمنعه من العمل. والدته توفيت ولديه كما قال "أشقاء وشقيقات أصغر منه". يُضيف "أنا ربّ الأسرة الآن. وأعترف لكم أنني لا أرى أنني ساتمكن في يوم ما من التوقف عن المجيء الى هنا. فلا سبيل آخر أمامي. ماذا سأفعل غير ذلك؟". يطرح سؤاله هذا وينظر إلينا وكأنه يتوقع جوابا ما.
الأطفال الذين يتحلقون حول مستديرة صيدا بغالبيتهم من الذكور، لكن هذا لا يعني أن لا فتيات ياتينّ أيضا للعمل.
خديجة (13 عاما) تبدو أصغر من عمرها وجسدها يبدو نحيلا جدا ولا يعكس نشاطها الظاهر. تتجه نحونا وتبدي حرصها على مشاركتنا قصتها. وأول سؤال طرحناه عليها: كم مضى على إرتيادكِ هذا المكان للعمل؟ تجيب ضاحكة: "أعتقد أنني بدأت القدوم منذ ولدت وسأبقى الى الأبد". تضيف: "بدأتُ العمل بعد تعرّضي لحادث". ترفع قميصها قليلا فتظهر ندوبا عميقة نتجت عن زيت ساخن سقط عليها أثناء إعدادها الطعام. مشهد مؤلم حقا. تنظر في عيوننا وتتابع: "إحتجتُ الى مبلغ 500 دولار أميركي لإجراء جراحة لكني سرعان ما أيقنت أنني لن أستطيع ذلك أبدا. فأنا أقوم بتنظيف زجاج السيارات مقابل 1000 ليرة لبنانية (نحو 13 سنتا حسب سعر الصرف في السوق السوداء في يوم المقابلة). تهز رأسها وتتابع: "لا يهمني ما أصابني. الأهم الآن أنني قادرة على جني بعض المال الذي يكفيني لشراء بعض الطعام".
يا لهول الأخطار التي يتعرض إليها هؤلاء المراهقون الضعفاء. ويا لحجم المآسي التي يتعرضون إليها. تشتدّ فينا مشاعر القلق ونحن نتابع كلام خديجة: "يعاملنا بعض الناس في شكلٍ جيّد، لكن هناك بعض الرجال يعرضون عليّ مالا كي أصعد معهم في السيارة لممارسة الجنس. في البداية كنتُ أتضايق كثيرا لكن، حين يتكرر ذلك، تُصبح هكذا دعوات سخيفة ووقعها أقل إيلاما".
إرتدادات عمالة الأطفال صادمة، خصوصا تأثيرها على من يعملون في الشوارع الذين قد يتعرضون الى أذى جسدي ونفسي شديدين و قد يتعرّضون حتى الى الموت. وهذا النوع من العمالة قد يتسبب بعبوديتهم وربما باستغلالهم جنسيا أو إقتصاديا. وما يلفت في غالبية الحالات هو منع هؤلاء الأطفال من متابعة دروسهم وعدم حصولهم على الرعاية الصحية وتقييد حقوقهم الأساسية وتهديد مستقبلهم.
لا يغيب موضوع المدرسة كليا بين بعض الأطفال المنتشرين حول تقاطع صيدا. هناك من يرغبون في الذهاب الى المدرسة- على الرغم من أن بعضهم، ولو كانوا قلة، كانوا طلابا ذات يوم. بالنسبة الى الأطفال الأكبر سنا قليلا- ممن تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عاما- أصبحت المدرسة مكانا لسواهم من الأطفال الآخرين فقط لا لهم. وكما قال موسى "نحن أمام خيارين إما أن نتعلم أو أن نُطعم عائلاتنا". وكل من كانوا يصغون الى موسى وافقوا على ما قال رفيقهم في الشارع.
عمل اليونيسف
يتلقى أطفال الشوارع في صيدا دعما من اليونيسف من خلال الشركاء: Terre des Hommes- Lausanne (أرض الإنسان- لوزان) وSAMA for Development (جمعية سما للتنمية). ويُصار الى إدارة الحالة وتقديم خدمات حماية الطفل والعنف القائم على النوع الإجتماعي في مركز جمعية سما المحلي. إضافة الى خدمات أخرى مثل التعليم والرعاية الصحيّة وطبابة الأسنان والخدمات الأساسية الإضافية التي قد يوصي بها الشريك أو من خلال الإحالات الى وكالات أخرى.
إضافة الى تدخلهم مع الأطفال والإحاطة بشؤونهم، يشارك مقدمو الرعاية في برامج تعنى بدعم الأبوّة والأمومة بهدف التوجه الى الخدمات المطلوبة. كذلك، كجزءٍ من نهج اليونيسف، يستفيد بعض هؤلاء الأطفال أيضا من رزمة مساعدات اليونيسف المتكاملة للتعلم واللعب والحماية والرفاهية وذلك لضمان الوصول الى المزيد من الخدمات الأساسية.
رزمة اليونيسف عبارة عن برنامج متكامل يعمل على الوقاية من خلال ضمان إستفادة الطفل من التعلم المكيف الذي يتناسب مع قدراته التعليمية ودعمه بالمساعدة النقدية. هذا بالإضافة طبعا الى توفير الدعم النفسي والإجتماعي.
يهدف هذا النهج المتبع الى تزويد الأطفال بالمهارات- مثل أساسيات القراءة والكتابة والحساب- ما يُمكّنهم من إيجاد عمل مناسب والتطور فيه والتزود بفرص أفضل وتقليل مخاطر الإستغلال.
سيكون التدريب المهني متاحا من اجل ربط هؤلاء الأطفال بالعمل الرسمي. في العام 2020، وصلت حزمة الرفاهية الى 10 آلاف طفل تقريبا، أعمارهم بين 10 و14 عاما، خارج أطر التعليم و أكثرعرضة لمخاطر.
*جرى تغيير أسماء الأطفال المشاركين في هذه القصّة حماية لهوياتهم.
