اختُتم رسميًا مشروع "إعادة تأهيل المساكن في بيروت وتعافي الصناعات الثقافية والإبداعي – بيريت"، ليسجّل محطة بارزة في مسار استعادة النسيج التاريخي للعاصمة ودعم الأسر المتضررة من الانفجار المدمّر الذي وقع في مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020.
برعاية وزير الثقافة، غسان سلامة، أُقيم حفل الختام في حديقة أحد المباني التراثية التي أعيد تأهيلها في منطقة مار مخايل، بحضور ممثلين عن الحكومة اللبنانية والمستفيدين من المشروع وشركائه، إضافة إلى ممثلين عن المانحين في الصندوق الائتماني المخصّص للبنان (LFF) والبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO).
تم تنفيذ المشروع من قبل UN-Habitat بتمويل من الصندوق الائتماني المخصّص للبنان، وهو صندوق ائتماني متعدّد المانحين يديره البنك الدولي. وقد شكّل المشروع ركيزة أساسية في عملية التعافي وتعزيز القدرة على الصمود في المشهد الثقافي لمدينة بيروت، حيث أشرفت اليونسكو على تنفيذ مكوّن الصناعات الثقافية والإبداعية.
في صميم المشروع، جرى تأهيل ١٢ مبنى سكنيًا تراثيًا في أحياء الرميل، والمدوّر، والأشرفية. وبالإضافة إلى الحفاظ على الهوية المعمارية للمدينة، أتاح المشروع للأسر المتضررة العودة الآمنة إلى منازلها، ليكون بذلك إنجازًا إنسانيًا وثقافيًا على حدّ سواء.
"لبنان ليس يتيمًا لانه عند اصابته في فاجعة المرفأ سارعت العديد من الدول الصديقة والشقيقة والمنظمات الدولية لمساعدته" قال وزير الثقافة غسان سلامة. "عند حصول النوائب والكوارث فلا بد من تعاون بين الدولة والمجتمع المدني وتضافر جهودهما لانه ذلك من افضل الامور للنهوض من اي كبوة ،ومن يعتقد ان لهذا البلد مستقبل بدون دولة فهو مخطئ ومن يعتقد ان الدولة بمفردها قادرة على القيام بكل مهماتها فهو على نياته".
جاء اختيار المباني المستهدفة بعد عملية دقيقة وشاملة، تضمنت تقييم الأضرار الإنشائية والقيمة التراثية والوضع القانوني للملكية وخطط الاستخدام المستقبلي، فضلًا عن أوضاع الأسر الاجتماعية والاقتصادية. وللحفاظ على الهوية التاريخية لبيروت، استندت أعمال التأهيل إلى التصاميم المعمارية الأصلية واستخدمت مواد وتقنيات بناء متوافقة مع الطابع التراثي الأصيل للمباني.
وقال هيروشي تاكاباياشي، القائم بأعمال رئيس برنامج UN-Habitat في لبنان:
"من خلال مشروع ‘بيريت’، كان برنامج UN-Habitat في طليعة الجهود الرامية إلى إعادة تأهيل المباني التراثية المتضررة بشدة من الانفجار، بالتعاون الوثيق مع محافظ بيروت والبلدية والمديرية العامة للآثار ونقابتي المهندسين. وإلى جانب الدعم المخصص لـ الصناعات الثقافية والإبداعية المنفّذ من قبل اليونسكو، لم يقتصر المشروع على حماية التراث المعماري والثقافي، بل أتاح أيضًا للأسر المشرّدة العودة الآمنة إلى منازلها، مما ساهم في ترميم النسيج الاجتماعي للمجتمعات المتضررة وإحياء الحيوية الثقافية في المدينة."
وقال إنريكي بلانكو أرمس، مدير مكتب البنك الدولي في لبنان:
"شكّل مشروع “بيريت” استجابة عاجلة للأزمة، ونموذجًا لكيفية مساهمة التعافي الحضري والثقافي المتكامل في مساعدة المجتمعات الهشّة على رسم مسار تنموي أكثر شمولًا واستدامة. وبفضل الدعم السخي من مانحي الصندوق الائتماني المخصّص للبنان – كندا، الدانمرك، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، والنرويج – كان المشروع محوريًا في إحياء المشهد الثقافي لبيروت، مكمّلًا الجهود الداعمة لتعافي الأفراد والأعمال الأكثر تضررًا."
وفي إطار المشروع، أُنشئت اللجنة الاستشارية التقنية برئاسة محافظ بيروت، لتقديم التوجيه الاستراتيجي وضمان التنسيق بين جهود إعادة الإعمار والتعافي وحماية التراث.
قال محافظ بيروت السيد مروان عبّود "عقب انفجار مرفأ بيروت، وفي وقت كان فيه عمل الحكومة مشلولاً والموارد شحيحة، عملت محافظة بيروت إلى جانب البلدية والمديرية العامة للآثار ونقابة المهندسين بلا كلل لرفع الاضرار وازالة الركام ولدعم العائلات التي نزحت من منازلها. نحن نثمّن عالياً شراكتنا مع برنامج UN-Habitat والدعم السخي من الصندوق الائتماني المخصّص للبنان والبنك الدولي، فلقد شكّلت المبادرات مثل مشروع "بيريت" بارقة أمل، وأثبت أنّه حتى في أصعب الظروف يبقى الحفاظ على تراث بيروت ودعم أهلها أمراً ممكناً وضرورياً."
تضمّن حفل الختام جولة افتراضية في المباني الـ12 التي أعيد تأهيلها، عُرضت خلالها العناصر المعمارية المرمّمة وأثرها في الحفاظ على التراث الثقافي لبيروت، إضافة إلى التأثير التحويلي على المجتمعات المحيطة. كما أُقيم معرض صور أبرز الأثرين المادي والاجتماعي للمشروع، من خلال صور للمباني قبل التأهيل وبعده، ولعمال البناء خلال عملية التأهيل، ولعناصر تراثية من أحياء بيروت.

وبينما اختُتم مشروع “بيريت” رسميًا، يبقى أثره حاضرًا في كل فضاء أُعيد ترميمه، وفي كل حلم أُعيد إحياؤه، وفي الروح الصلبة لمدينة ستظل تنهض وتُبدع وتُلهم. ومن خلال الاستثمار المتكامل في البنى التحتية المادية والقطاعات الإبداعية، يضمن المشروع أن بيروت لا تتعافى فحسب، بل تظل أيضًا منارة للتعبير الثقافي والابتكار، تمكّن مجتمعها الإبداعي من صياغة مستقبل أكثر إشراقًا وصلابة.
