981301 1 961+   |   [email protected]

ملاحظات الأمين العام للأمم المتحدة موجهة إلى مؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية

صاحب السمو،

أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

لقد كان مؤتمر القمة العالمي الأول للتنمية الاجتماعية الذي عُقد في كوبنهاغن عام 1995 لحظة استدلال أخلاقي.

وكان بمثابة تذكير لنا بأن التنمية الحقيقية لا تعني تحقيق الرخاء لقلة قليلة.

وإنما تعني توفير الفرص للجميع، استنادا إلى مبادئ العدالة الاجتماعية والعمالة الكاملة والكرامة الإنسانية.

ومنذ ذلك الحين، نجا أكثر من بليون شخص من براثن الفقر المدقع.

وانخفضت معدلات البطالة في العالم أو تكاد إلى أدنى مستوياتها في التاريخ.

وتوسعت فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية بشكل ملحوظ.

وأصبح العمر المتوقع للإنسان أطول، وانخفضت وفيات الأطفال والأمهات.

ويزداد عدد الفتيات الملتحقات بالمدارس، مع ارتفاع معدلات التخرج لجميع الطلاب.

هذه الإنجازات هي حصيلة ما أُنجز من أعمال.

أعمال قام بها المجتمع العالمي للوفاء بالوعد الوارد في خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

إجراءات نفذتها الحكومات للاستثمار في نُظُم تنهض بالناس بدلاً من أن تتركهم خلف الركب.

مبادرات اتخذتها المنظمات الدولية وشركاء المجتمع المدني لدعم التنمية.

جهود بذلتها الشركات لضمان إسهام ممارساتها في تيسير التنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية بدلا من تقويضهما.

وخطوات قامت بها الجهات المانحة لمساعدة البلدان على الاستثمار في شعوبها وبنيتها التحتية واقتصاداتها.

غير أن انعقاد مؤتمر القمة العالمية الثاني للتنمية الاجتماعية يأتي في مرحلة تخيم عليها أجواء عدم اليقين والانقسامات والنزاعات والمعاناة الإنسانية المنتشرة على نطاقٍ واسع.

فما زال الناس يعانون من الجوع والفقر والنزوح والبطالة.

والبلدان النامية لا تحصل على الدعم الذي تحتاجه.

ونحن لا نتحرك بالسرعة الكافية للتخفيف من آثار التقلبات والتدمير المباشر الذي يسببه ارتفاع درجة حرارة الكوكب.

أما وتيرة التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، فما زالت دون المستوى المنشود.

 

أصحاب الجلالة، أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

إن إعلان الدوحة السياسي هو بمثابة دفعة قوية للتنمية.

وهو في جوهره خطة من أجل الإنسان.

وترجمته إلى أرض الواقع يتطلب العمل في أربعة مجالات.

أولاً – المقصود بخطة من أجل الإنسان أنها خطة تهدف إلى تسريع وتيرة جهودنا لمكافحة الفقر وعدم المساواة.

فمن غير المعقول أن يكون هناك ما يقرب من 700 مليون شخص لا يزالون يعيشون في فقر مدقع، في حين أن أغنى واحد في المائة من سكان العالم يملكون ما يقرب من نصف الثروة العالمية.

ومن غير المقبول أن يعاني الملايين من الجوع كل يوم أو يموتون كل عام بسبب أمراض يمكن الوقاية منها - وهي اتجاهات تفاقمت بسبب استمرار خفض المساعدات عالميا بلا هوادة.

ومن غير المقبول أن يعيش ما يقرب من أربعة بلايين شخص دون أي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية.

فالقضاء على الفقر يتطلب استثمارات واستراتيجيات موجهة بقيادة البلدان على مستوى جميع المنظومات التي يحتاجها الناس.

المنظومات الغذائية التي تكون في متناول جميع الناس وتمدهم بأغذية صحية ومستدامة وبأسعار معقولة.

ونظم صحية متاحة للجميع يمكنها تقديم الرعاية والدواء لكل شخص، بغض النظر عن المكان الذي يعيش فيه أو مقدار دخله.

وشبكات المياه والصرف الصحي التي توفر المياه النظيفة للجميع.

والسكن الملائم والميسور التكلفة.

ونظم الطاقة النظيفة الموثوقة والمتاحة للجميع، التي تدفع عجلة التنمية وتوفر فرص العمل.

ونظُم التعليم القادرة على إيصال التعليم الجيد ومهاراته إلى كل طفل وشاب، يسهر عليها معلمون مؤهلون ومدعومون دعمًا كافيًا.

وأنظمة الحماية الاجتماعية الشاملة التي يمكن أن تدعم الناس وقت الحاجة.

وبيانات موثوقة ودقيقة ومصنفة لرصد ما نحرزه من تقدم.

والتقدم المحرز يتوقف أيضاً على الاستثمار في مستقبل كوكبنا.

فيجب على الحكومات المشاركة في الاجتماع القادم للدورة الثلاثين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في البرازيل تقديم خطط ملموسة لخفض انبعاثاتها على مدى العقد المقبل، مع العمل في الوقت نفسه على تحقيق العدالة المناخية لمن هم في واجهة الأزمة رغم دورهم المحدود في نشوئها.

فثورة الطاقة النظيفة تنطوي على إمكانية خفض الانبعاثات مع تنمية الاقتصادات في الوقت نفسه.

ولكن البلدان النامية لا تزال تفتقر إلى التمويل المطلوب والتكنولوجيات اللازمة لدعم هذه التحولات.

وفي البرازيل، يجب أن تتفق البلدان على خريطة طريق ذات مصداقية لتعبئة 1,3 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2035 لتمويل العمل المناخي الذي تقوم به البلدان النامية.

ويجب على البلدان المتقدمة أن تفي بالتزامها بمضاعفة التمويل المخصص للتكيف للوصول به إلى ما لا يقل عن 40 بليون دولار هذا العام.

ويجب رسملة صندوق مواجهة الخسائر والأضرار بمساهمات كبيرة.

وثانيًا – تتطلب هذه الخطة، أي خطة من أجل الإنسان، التركيز بدقة على إيجاد فرص العمل والتوظيف.

وفي كل بلد، يجب على الحكومات والقطاع الخاص توحيد الجهود للنهوض بالعمل اللائق والأجور المعيشية ومسارات انتقال العمال من الاقتصاد غير الرسمي إلى وظائف في الاقتصادات الخضراء والرقمية واقتصادات الرعاية.

ومن الضروري الاستثمار في التدريب وتطوير المهارات والتعلم مدى الحياة.

وعلى نحو ما دعا إليه التعاهد الرقمي العالمي الذي اعتُمد العام الماضي، ينبغي أن تركز البلدان على سد الفجوة الرقمية، وتحقيق التوصيلية الرقمية الشاملة، وضمان اكتساب جميع الناس المهارات اللازمة في مجال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.

كما أن إيجاد فرص العمل والحفاظ عليها يتطلب من البلدان تنويع اقتصاداتها وتعزيز التجهيز والابتكار على الصعيد المحلي لإضافة القيمة وزيادة القدرة على المنافسة في التجارة العالمية.

وأي جهود ترمي إلى إيجاد فرص العمل يجب أيضا أن تكفل حصول المرأة على هذه الفرص على قدم المساواة مع غيرها، مع زيادة الدعم لاقتصادات الرعاية.

وفي جميع الأحوال، نحن بحاجة إلى تعزيز أوجه الحماية في مجال العمل، حتى لا تتحقق الأرباح على حساب حقوق العمال.

وثالثًا – لا بد من توفير التمويل اللازم لهذه الخطة.

وفي مؤتمر تمويل التنمية الذي عُقد في حزيران/يونيه في إشبيلية، التزم القادة بإتاحة المزيد من التمويل للبلدان النامية.

ويجب على الحكومات الوطنية أن تقود الطريق من خلال تعبئة مواردها المحلية.

ونحن بحاجة أيضًا إلى زيادة القدرة على الإقراض في مصارف التنمية متعددة الأطراف ثلاث – يجب أن تكون أكبر وأكثر جرأة. وأن تكون أكثر قدرة على الاستفادة من التمويل الخاص للدول النامية.

وينبغي الاستفادة بقدر أكبر من التمويل الخاص.

كما ينبغي تخفيف أعباء الديون باستخدام أدوات جديدة لتقليل تكاليف ومخاطر الاقتراض، وتسريع وتيرة الدعم المقدم للبلدان التي تواجه حالة المديونية الحرجة.

ويجب إصلاح الهيكل المالي العالمي بحيث يمثل عالم اليوم واحتياجات البلدان النامية بشكل أفضل.

والبلدان النامية بحاجة إلى زيادة مشاركتها في صنع القرار في جميع المؤسسات المالية العالمية، ولها كل الحق في ذلك.

ويجب أن تصبح الحوكمة الاقتصادية العالمية أكثر شمولاً وتمثيلاً وإنصافًا وفعالية.

وأخيرًا، يُتوخى من كل خطة وُضعت كخطة من أجل الإنسان أن تكون وسيلةً لتوحيد صفوف الناس لا للتفريق بينهم.

فما زال الكثيرون يُترَكون خلف الركب - بمن فيهم النساء والأقليات والمهاجرون واللاجئون وكبار السن والشعوب الأصلية والأشخاص ذوو الإعاقة والشباب.

ويواجه الكثيرون مظاهر التحيّز والتهديدات، بل وحتى الإساءة والعنف - في بيوتهم وأماكن عملهم، وفي الشوارع، وعلى شبكة الإنترنت.

وعلى الحكومات أن تصون القيم الديمقراطية وتحميها، تلك القيم التي تعكس أصوات جميع الناس، من مختلف الأعمار والخلفيات، ولا سيّما الفئات الأكثر ضعفًا.

كما ينبغي لها أن تواصل فتح الأبواب أمام مشاركة النساء - من قاعات مجالس الإدارة إلى أروقة السلطة السياسية - وأن تقضي على جميع أشكال التمييز والعنف الجنساني.

وعليها أن تسعى لبناء مجتمعاتٍ خاليةٍ من التضليل والمعلومات المغلوطة وخطاب الكراهية.

وعلى امتداد هذا المسار، ستظل حقوق الإنسان هي بوصَلَتنا التي نسترشد بها نحو العدالة ونحو مستقبلٍ أفضل للجميع.

 

أصحاب الجلالة وأصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

إن هذه القمة مناسبة لإحياء الأمل من خلال العمل الجماعي.

إنها دعوةٌ لحشد الإرادة السياسية والمالية اللازمة لمواصلة المسيرة التي بدأناها معًا قبل ثلاثين عامًا في كوبنهاغن.

واستلهاما من إعلان الدوحة، دعونا نحقق معًا الخطة الجريئة التي تحتاجها الإنسانية وتستحقه، خطة من أجل الإنسان.

شكرًا لكم.

Date