الحرب، والفوضى المناخية، والانقسام، والجشع – يكفي أن تطالعوا أي وسيلة إعلامية حتى يخال إليكم أنّ هذه هي ملامح عالمنا. قوانين الحرب تُنتَهك. والسلام بعيد المنال. والاستبداد يتغذّى على الانقسام. والسلطة تتركّز في أيدي قلة مختارة.
لكن هذه ليست الصورة كاملة. فخلف العناوين الإخبارية واقع آخر: أكثر هدوءاً، وأقل ظهوراً – وأكثر إيجابية بكثير.
في جميع أنحاء العالم، تشعر الغالبية العظمى من الناس بالصدمة إزاء الوحشية والكراهية والظلم. وهم لا يريدون أن تحدّد الثروة والسلطة حقوق مَن تستحقّ الاحترام وحقوق مَن تُداس. ويرون أن الدمار والمعاناة يأخذان عالمنا إلى طريق مسدود.
ويريدون أن يَحترِم الجميع، في كلّ الأوقات، القواعدَ التي تحمي الإنسانية. ويريدون حماية كوكبنا من التهديدات التي باتت تجعل العيش فيه متعذّراً على كثير من سكّانه. ولا يؤمنون بأن النوع الاجتماعي ينبغي أن يحدّد فرصهم في الحياة. ولا يريدون التضحية بحقوقهم في سبيل تكنولوجيا تتطوّر بسرعة هائلة، في ظلّ رقابة محدودة.
هذه هي الرؤية التي يقوم عليها التحالف العالمي لحقوق الإنسان، وهو حركة أطلقتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في حزيران/ يونيو 2026، كي تجمع كلّ مَن يهتمّ بحقوق الإنسان ويعمل من أجلها؛ وتوصلَ صوت الأغلبية؛ وتوجه طاقاتها الهائلة نحو إحداث تغيير حقيقي.
ففي حين يمكن لفرد أو حكومة أو منظمة أو مؤسسة أن يسهم في التصدي للتحديات التي تواجه حقوق الإنسان اليوم، تستطيع حركة عالمية موحّدة أن تحقّق أكثر من ذلك بكثير.
واليوم، أرى من حولي الطاقة نفسَها التي حرّكت النضالات التي حاربت الرقّ والاستعمار والنظام الأبوي والفصل العنصري. وهذا لا يفاجئني. فالناس سيحشدون جهودهم دائماً لنصرة الحقّ، سواء داخل مجتمعاتهم أو تضامناً مع أشخاص يعيشون في الطرف الآخر من العالم.
ويجمع التحالف العالمي الحكومات والمدن والمجتمع المدني والشباب والشركات والمؤسسات الخيرية والمفكّرين والفنانين والعلماء، من خلال سبل عملية لمعالجة مشاكل الناس وتحسين حياتهم.
إحدى أولى مبادرات التحالف تتناول مدناً من أجل حقوق الإنسان. ففي جميع أنحاء العالم، تسترشد المدن والسلطات المحلية بحقوق الإنسان لإيجاد حلول ملموسة، بعيداً عن الأيديولوجيا، بهدف تحديات الحياة الحضرية المعاصرة، من النقل إلى التعليم وشبكات الأمان الاجتماعي.
ففي مدينة باغيو في الفلبين مثلاً، يستطيع السكان متابعة الميزانيات العامة وإجراءات المناقصات عبر تطبيق للهواتف الذكية، ما يعزّز المساءلة والشفافية في قرارات الحكومة المحلية. وفي كينيا، يدعم موظفو المفوضية تدريب السلطات المحلية في مجال حقوق الإنسان، بما يساعد الناس على المشاركة في القرارات التي تؤثّر في حياتهم. تدرك الحكومات المحلية والإقليمية أنّ توسيع المشاركة يعزّز الكفاءة والقدرة على الصمود والاستقرار.
وتشمل مبادرات أخرى للتحالف العالمي حشد الشباب، وحقوق الإنسان في قطاعَي الأعمال والتكنولوجيا، والعمل المناخي، والعلوم، والفلسفة، والرياضة، والإيمان.
والمشاريع التي تُعمِل حقوق الإنسان يومياً موجودة في كلّ مكان من حولنا: في شوارعنا، وقاعات الدراسة ومجالس الإدارة، ومجتمعاتنا المحلية، وكذلك في البرلمانات والحكومات في جميع أنحاء العالم. وأستلهم العزم من الطلاب وقادة المجتمع المدني ومنظّمي العمل المجتمعي والمسؤولين المحليين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يعملون، غالباً في صمت، لجعل مجتمعاتهم أكثر أماناً وتحسين حياة الناس.
يهدف التحالف العالمي إلى ربط جميع هذه المشاريع والمبادرات وتعزيزها. فهو خلية حيّة تعجّ بالنشاط، تبني على الجهود القائمة وتصوغ برنامج عملها بصورة تشاركية، استجابةً لواقع يتغيّر باستمرار. وسيجعل صوت الأغلبية الصامتة أعلى وحضورها أكثر وضوحاً.
لننظر إلى الأمور بوضوح. فالتحديات التي نواجهها معقّدة، والحكومات والمجتمعات مطالَبة باتخاذ خيارات صعبة. وتوفّر حقوق الإنسان بوصلةً للاسترشاد بها في اتخاذ هذه الخيارات بقدر أكبر من الذكاء والحكمة والإنصاف.
لقد تساءلنا جميعاً في لحظة ما: كيف تمكننا مساعدة الأطفال الجائعين الذين نراهم على شاشاتنا؟ وكيف يمكننا ضمان ألّا تدفع الفواتيرُ الطبية الأسرَ إلى الإفلاس؟ وكيف يمكننا أن نحميَ خصوصيتنا على الإنترنت؟ عندما نطرح هذه الأسئلة للنقاش، ونستمع إلى وجهات نظر مختلفة، ونعمل معاً عبر القطاعات والمناطق، تبدأ الحلول بالتبلور. وهذا هو جوهر منهجية التحالف العالمي: نتخيّل؛ ونتحاور؛ ونبادر إلى العمل.
بابُ المشاركة بات الآن مفتوحاً. ونرحّب بكلّ مَن يؤمن بأنّ الإنصاف والكرامة والاحترام هي الأسس التي يقوم عليها مستقبلٌ أكثر أماناً واستقراراً لمجتمعاتنا وكوكبنا؛ لا سيّما مَن يقترحون حلولاً ويبدون استعداداً لتجسيد هذه القيم في حياة الناس.
منذ إطلاق التحالف قبل مئة يوم، استقطب اهتماماً من جميع المناطق ومختلف القطاعات. وقد أبدت نحو ستمئة جهة اهتمامها بالمشاركة، من الحكومات والسلطات المحلية إلى منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والشركات، إلى جانب الأفراد. وتوسّعت شبكة مدن من أجل حقوق الإنسان سريعاً لتضمّ أكثر من 120 مدينة حول العالم. وانضمّت خمس شخصيات بارزة في عالم الرياضة إلى أوائل الداعمين للتحالف. كما انضمّ اثنا عشر شاباً وشابة من المتميّزين في إحداث التغيير إلى مجموعة التحالف الاستشارية "شباب من أجل الحقوق" (Youth4Rights).
الحركة قائمة. والطاقة حقيقية. والالتزام حاضر.
وقد بات لها اليوم اسم وبيت يجمعانها.
أدعوكم إلى الانضمام إلينا، مع أفكاركم وطاقتكم.
