من #ما_زلنا_هنا_ما_زلنا_نبني إلى سفراء التغيير لأهداف التنمية المستدامة، أحيت الأمم المتحدة في لبنان اليوم الدولي للشباب 2026 عبر دعم المبادرات الشبابية وتعزيز العمل الذي يقوده الشباب انطلاقًا من تطلعاتٍ مشتركة.
"أعطوا شاباً أو شابة مشكلة حقيقية، وميزانية محدودة، وثلاثة أشهر، واطلقوا العنان لهم حرية التصرف"، تقول جوليا عاصي، وهي طالبة جامعية من جنوب لبنان وإحدى سفراء التغيير الـ23 الذين تم اختيارهم حديثاً ضمن مختبر العقول الخاص بأهداف التنمية المستدامة (SDG Brain Lab) التابع للشبكة المحلية للاتفاق العالمي للأمم المتحدة في لبنان. وتضيف: "لبنان لا يحتاج إلى الآلاف من قصص النجاح المثالية، بل يحتاج إلى الآلاف من الشباب والشابات الذين تُتاح لهم فرصة اختبار آلاف الأفكار."
إنه مطلب بسيط، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحدياً كبيراً. ففي شهر آب/أغسطس، وبينما كان لبنان يحيي اليوم الدولي للشباب، تمحورت مبادرتان أمميتان حول تلبية هذا المطلب تحديداً ألا وهو: توفير مساحة للشباب ليس فقط لإيصال أصواتهم، بل أيضاً للتحرك والمبادرة.
ما زلنا هنا... وما زلنا نبني
تمثلت المبادرة الأولى في حملة رقمية ارتكزت على فكرة واحدة وهي أنّه رغم سنوات الصعوبات الاقتصادية والنزاعات والنزوح وانعدام اليقين، لا يزال الشباب في مختلف أنحاء لبنان صامدين في البلاد، ولا يزالون يبنون المستقبل.
وتحت وسم #ما_زلنا_هنا_ما_زلنا_نبني (#StillHereStillBuilding)، سجّل أكثر من 25 شابة وشاباً من مختلف المناطق اللبنانية مقاطع فيديو قصيرة شاركوا فيها ما يمنحهم الدافع للاستمرار، وما يحفّزهم، وآمالهم للبنان، والطرق التي يساهمون من خلالها فعلياً في خدمة مجتمعاتهم المحلية رغم الأزمات المتعاقبة
.

تعليق على الصورة: تصميم ترويجي نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي يدعو الشباب والشابات من مختلف أنحاء لبنان إلى إرسال مقاطع فيديو قصيرة للمشاركة في حملة الأمم المتحدة في لبنان #ما_زلنا_هنا_ما_زلنا_نبني
أُطلقت الحملة الرقمية برسالتين مصوَّرتين لكل من المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا ووزيرة الشباب والرياضة اللبنانية الدكتورة نورا بايرقداريان.
وجاءت رسالة ريزا إلى الشباب مباشرة وواضحة:
"إن الإرادة وحدها لا تكفي. فالشباب يحتاجون إلى الفرص: من تعليم نوعي، إلى وظائف لائقة، فمساحات آمنة، وصوت حقيقي لرسم مستقبلهم."

من جهتها، دعت الوزيرة بايرقداريان الشباب إلى مواصلة الحلم والابتكار والعمل التطوعي، ووصفتهم بأنهم "ليسوا فقط مستقبل لبنان، بل قوة دافعة تسهم في تشكيل حاضره".
وسرعان ما حظيت الحملة بزخم واسع عبر منصات الأمم المتحدة في لبنان على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بلغ نطاق الوصول الرقمي الإجمالي نحو610,000 شخص، وساهمت في تعزيز التفاعل بشكل ملحوظ مع وسم الحملة زامناً مع اليوم الدولي للشباب الذي يُصادف 12 آب/أغسطس.
كما وصلت الحملة إلى جمهور أوسع من خلال برنامج "أحلى صباح" على تلفزيون لبنان الرسمي، حيث تحدثت السيدة عبير أبي زكي، الرئيسة المشاركة لفريق الأمم المتحدة المعني بالشباب في لبنان، عن هذه الحملة الرقمية وعن الشباب المشاركين فيها على مختلف الأصعدة ناهيك عن أهدافها والرسائل التي قدّمها الشباب في إطارها.
وما برز من خلال مقاطع الفيديو لم يكن رسالة موحَّدة بقدر ما كان خيطاً جامعاً بينها برمّتها أنّ الشباب في لبنان يتحدثون عن الأمل والصمود والإصرار على مواصلة المساهمة في بناء مستقبل لبنان وفق رؤيتهم الخاصة.

من الأفكار إلى العمل
انتقلت هذه الروح نفسها إلى مبادرة أممية ثانية بعد أيام قليلة، هدفت إلى تجاوز الرسائل الإعلامية والانتقال إلى الحوار والعمل الفاعل.
ففي 20 آب/أغسطس، جمعت الأمم المتحدة في لبنان والشبكة المحلية للاتفاق العالمي للأمم المتحدة في لبنان سفراء التغيير الـ23 الذين تم اختيارهم حديثاً ضمن مختبر العقول الخاص بأهداف التنمية المستدامة، في فعالية استمرت نصف يوم في بيت الأمم المتحدة في بيروت، تمحورت حول حوار مباشر استمر 45 دقيقة مع المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة.
كانت الفكرة بسيطة من جلسة الحوار هذه. فبدلاً من جلسة إحاطة أو تعريف تقليدية، تولّى السفراء الشباب بأنفسهم تحديد مضمون الجلسات. وقد شكلت رؤيتهم لما يتطلبه تحويل الأفكار إلى أفعال في لبنان اليوم أساس النقاشات التي تلت.
فعلى مدى العام المقبل، وفي إطار ولايتهم السنوية، سيعمل السفراء على تصميم وتنفيذ مبادرات مجتمعية تدعم جهود التعافي والتنمية، وتُحدث تغييراً في مجتمعاتهم المحلية، وتسهم في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030 على المستوى المحلي، وتعزز مبادئ الاستدامة في مختلف البيئات التي يعيشون فيها.
وفي صميم هذه المهمة إيمانٌ راسخ بأن التغيير الحقيقي يتحقق من خلال العمل الجماعي. وتقول دينا فاخوري في هذا السياق:
"نادراً ما يأتي التغيير من شخص واحد يقوم بكل شيء بنفسه. بل يأتي عندما يقرر عدد كبير من الأشخاص أن يحققوا شيئاً."
وهي الروح التي يُنتظر من سفراء التغيير نقلها إلى مجتمعاتهم، لتحويل المبادرات الفردية إلى تقدّم فعلي على امستوى الجماعات.
حوار صريح حول متطلّبات إحداث التغيير
لم يتجنب الحوار مناقشة العقبات التي يواجهها الشباب أو صعوبة إحداث التغيير المنشود.
فقد تحدثت زينة، وهي إحدى سفراء التغيير، بصراحة عن التحديات التي تواجه الشباب، مشيرة إلى أنّ مجرد "تأمين حياة كريمة" عبر العمل وسداد الأقساط الدراسية وتكاليف النقل يترك لدى الكثيرين مساحة محدودة جداً لمتابعة أفكارهم ومبادراته؛ مُوضّحةً أنها تعمل في وظيفتين مختلفتين، مما أجبرها على إلغاء ثلاثة التزامات مهنية للمشاركة في هذا الحوار الأممي.
هذا وأوضحت أن العقبات القانونية واللوجستية تجعل الشباب يشعرون أحياناً وكأنهم "يصطدمون بالحائط مراراً وتكراراً".
في المقابل، دعا مشاركون آخرون إلى عدم توقّع نتائج فورية على أرض الواقع.فبحسب المشارِكَة حنين فرج: "يحتاج الشباب أحياناً إلى زرع البذور أولاً قبل أن تظهر النتائج."وعندما يكون التغيير السريع مطلوباً، رأى عدد من السفراء أنه يجب أن يكون التغيير تغييراً هيكلياً ومؤسسياً. وفي هذا السياق، قال المشارِك جورج ضو: "لا يمكن أن يعتمد التغيير الطويل الأمد حصراً على الثقة وحسن النية"، داعياً إلى إدماج مبادئ الاستدامة ومشاركة الشباب في القوانين والأنظمة بدلاً من تركها رهناً بالمبادرات الطوعية.
وخلال مختلف النقاشات، برزت قناعة مشتركة مفادها أن الشباب في لبنان لا يعانون نقصاً في الأفكار أو الحافز على الإطلاق، بل إنّ ما ينقصهم بالفعل هو المساحة والوقت والموارد والثقة المؤسسية اللازمة لتحويل أفكارهم إلى واقع.
أما دور المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية فلم يقتصر فقط على تقديم الإجابات على أسئلة السفراء الشباب وتطلّعاتهم بل استمع إليهم بشغف وطرح بدوره الأسئلة عليهم. وعاد مراراً إلى فكرة أساسية مفادها أن: "الأمل، حتى في أصعب الظروف، هو ما يدفع الشباب والمؤسسات على حد سواء إلى العمل من أجل مستقبل مشترك. وأنّ تعزيز هذا الأمل ضروري لضمان التماسك الاجتماعي في لبنان بقدر ضرورته لعملية التعافي."
من الحوار إلى الالتزام
لم ينتهِ الحوار عند حدود النقاش.
فقد دُعي كل سفير وسفيرة إلى تقديم التزام شخصي عبر جدار التعهدات الرقمي من خلال إكمال العبارة التالية:
"ما زلت هنا. وما زلت أبني. وما زلت ملتزماً بـ..."
ليصبح هذا التعهد التزاماً شخصياً يرافقهم طوال مدة ولايتهم الممتدة لعام كامل.
وفي هذا الإطار، تعهّدت إحدى المشاركات بالعمل على تعزيز الوعي بالصحة النفسية في مجتمعها، مشيرةً إلى استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بهذا الموضوع في المناطق الريفية إيماناً منها بأنّه "لا وجود للصحة من دون الصحة النفسية."
في حين تعهّد آخرون بالعمل في مجالات متنوعة تتراوح بين العمل البيئي والقيادة المجتمعية، لتشكل هذه الالتزامات نقطة انطلاق للمبادرات التي سيصممها وينفذها السفراء خلال العام المقبل.
نبني معاً
مبادرتان أمميّتان مخصّصتان لفئة الشباب، لكن تحمل في طيّاتها رسالة واحدة واضحة ألا وهي أنّالشباب في لبنان لا ينتظرون التغيير، بل يسعون لصناعته.
فهم يدركون العقبات التي تعترض طريقهم، ويعرفون ما الذي يمكن أن يطلق العنان لإمكاناتهم، وأين يمكنهم إحداث الأثر الأكبر.
وما أظهرته حملة "ما زلنا هنا... وما زلنا نبني" وحوار سفراء التغيير أن هؤلاء الشباب لم يكونوا بحاجة إلى إقناع لاتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لإحداث تغيير، إنّما أنّ توفير مساحة حقيقية لهم للتعبير عن آرائهم، والاستماع إليهم من قبل أصحاب القرار، كان كفيلاً بتحويل تلك المساحة إلى التزام، والالتزام إلى عمل.
ولا يعني ذلك أن التحديات أصبحت أسهل أو أن الصمود وحده يكفي. بل يبرز حقيقة أبسط أنّ الشباب موجودون، ولديهم أفكار، وهم مستعدون للتحرك عندما تتوافر لهم الثقة، والشراكات، والفرص.
ومع تطلّع لبنان نحو التعافي، فإن المشاركة الشبابية الهادفة لا تعني مجرد الاستماع إلى أصوات الشباب، بل تعني أيضاً توفير مسارات تُتيح اختبار أفكارهم، وسماع وإيصال أصواتهم، وتمكين قيادتهم من الإسهام في رسم المرحلة المقبلة.
وبالنسبة إلى سفراء التغيير الـ23، فقد بدأت هذه المرحلة بالفعل. رحلة تمتد لعام كامل، تنتقل من الحوار إلى الالتزام، ومن الالتزام إلى العمل.
