"لدى الأسماك منافع عديدة تفيد صحّة الأطفال، لكنّنا نحن الأطفال، نتناول أسماكاً مليئةً بالمايكرو بلاستيك. فماذا تفعلون؟ لماذا لا تقومون بحمايتنا؟" قالت بيليسيا، وهي فتاة تبلغ من العمر سبع سنوات، متوجّهةً إلى وزير البيئة السابق في لبنان. وأضافت: "لبنان بلدنا، لن نسمح للكبار بإلحاق الأذى به."
بيليسيا واحدة من بين خمسة أطفال التقوا الوزير فادي جريصاتي للضغط عليه بهدف العمل لتفادي الخطر الكبير الذي يهدّد البيئة والصحّة العامة في البلاد والذي يتمثّل بالتلوّث البلاستيكيّ. خلال اللقاء، عاتب الأطفال الوزير مراراً وتكراراً.
أمّأ كارل والبالغ من العمر ثماني سنوات فسأل: "هل تعلمون أنّ 80% من النفايات مصنوعة من المواد البلاستيكيّة؟" مضيفاً "أّنّ البلاستيك وبالرغم من أنّه مفيد، من المستحيل أن يتحلّل كليّاً في الطبيعة". يحاول كارل في حياته اليومية أن يكوّن قدوةً يحتذى بها في المدرسة من خلال دعوة أصدقائه إلى عدم رمي النفايات في الطبيعة.
وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يتمّ رمي حوالي 8 ملايين طنّ من البلاستيك في محيطات العالم كل عام. ويتمّ التخلّص من جزء كبير منه في الأنهار، التي تشكّل قنوات تصبّ في المحيط. معظم تلك المواد البلاستيكيّة لا تختفي بالكامل، لكنّ حجمها هو الذي يتقلّص رويداً رويداً. غالباً ما تلتهم الحيوانات الدّاجنة والبحريّة جزيئات البلاستيك الدقيقة معتقدةً أنّها غذاؤها، لتعود وتنتهي تلك الجزيئات على مائدة الطعام.
إنّ بيليسيا وكارل وغيرهم من الأطفال قرّروا ألاّ يسمحوا لهذه الآفة أن تمرّ مرور الكرام، وشكّلوا جزءاً من لجنة بيئية أنشأتها Public Matters Lebanon، وهي منظمة غير حكومية تعمل على تطوير مهارات التعاطف والقيادة لدى الأطفال في سنّ مبكرة. أطلقت المنظمة بالتعاون مع مركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت وشركاء آخرين حملة "خفّف بلاستيك" بهدف تعزيز العادات الصديقة للبيئة والحدّ من رمي النفايات البلاستيكيّة والتلوّث.
بما أنّ الأطفال هم الأكثر عرضةَ للتلوّث البلاستيكيّ، تمّ وضعهم في مقدّمة الحملة ولهذا السبب اجتمعوا مع الوزير. وقال مكرم، وهو صبيّ ناشط بطبيعته في مجال البيئة ويبلغ من العمر 12 عاماً: "إنّ معدّل استهلاك الفرد اللبناني من الأكياس البلاستيكيّة هو كيس نايلون واحد يوميّاً وهي نسبة خطيرة لأنّها تساوي حوالي 4 ملايين كيس بلاستيكيّ يوميًا".
أضافت ماريا، البالغة من العمر 14 عامًا، وهي أيضاً عضو في اللّجنة البيئيّة: "نتمنى أن تتعاون معنا من أجل إيجاد حلّ. لن نقف مكتوفي الأيدي!"
في إطار حملة خفّف بلاستيك، شارك هؤلاء الأطفال في ورش عمل تدور حول المشاركة في القضايا الاجتماعية والبيئية والثقافية والتعليمية وقاموا على إثرها باقتراح عدّة حلول إلى الوزير، بما فيها:
● إصدار مراسيم تحظّر استخدام المواد البلاستيكيّة في جميع الوزارات في لبنان ومنع المدارس من بيع المواد الغذائية في عبوات بلاستيكيّة.
● تقليل المواد البلاستيكيّة عن طريق تركيب محطّات لإعادة تعبئة مساحيق الغسيل في السوبر ماركت.
● إنشاء لجنة بيئية للأطفال في لبنان، تتمثّل فيها جميع دول الشرق الأوسط.
بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من اللّبنانيين، تمّ إطلاق الحملة من خلال عرض شريط فيديو لمدة شهر في دور السينما، وعلى محطات التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي واللّوحات الإعلانيّة الإلكترونيّة. يُظهر الفيديو مياه لبنان الملوّثة جرّاء الاستخدام المفرط للبلاستيك، في ظلّ غياب سياسات بيئيّة تعالج أزمة النفايات المتفاقمة في البلاد.
يتمحور دور سفراء Public Matters Lebanon حول إقامة علاقات جديدة مع أطفال آخرين من بيئات متنوعة وتوسيع شبكة تواصلهم بالإضافة إلى تطوير مهاراتهم القيادية. وتشمل حملة "خفّف بلاستيك" أيضًا خطة للنساء لتصنيع أكياس صديقة للبيئة التي من شأنها تقليل النفايات وخلق فرص عمل للنساء.
وفي السياق عينه، اعتبرت جولي بو شقرة، رئيسة جمعيّة Public Matters Lebanon أنّه "في هذا العالم الذي يفتقر بشكل متزايد وفي جميع مؤسّساته إلى التعاطف، يبقى الأمل الوحيد لدينا هو أطفالنا، الذين سيتّخذون في يوم من الأيام قرارات مسؤولة كالراشدين".
من جهّتها، سلّطت مديرة مركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت مارغو الحلو الضوء على الدور الذي يلعبه الأولاد والشباب في بناء المستقبل. "لبراءة الأطفال وتفانيهم تأثير كبير على الناس. لا يوجد كوكب بديل. لذلك لا بدّ من تعليم الأطفال عادات صديقة للبيئة ستجعل من هذا العالم مكانًا أفضل"، أشارت الحلو.
بالعودة إلى الاجتماع الذي جمع الأولاد بالوزير، شدّد الزائرون على أهميّة الالتزام بممارسة عادات صديقة للبيئة: "من الجميل جدًا أن يشكّل المسؤولون مثالاً يُحتذى به، خصوصاً بالنسبة للأطفال". ثمّ توجّهوا إلى الوزير قائلين: "هل أنت مستعد للعمل معنا؟"
بدوره، عبّر وزير البيئة اللبناني السابق فادي جريصاتي عن إعجابه بالأطفال وبحماسهم قائلاً: "أنا سعيد جدًا لوجودي معكم. إنّ مقابلتكم هي إحدى أفضل الأشياء التي قمت بها في حياتي. يجب أن يخجل جميع الأشخاص الأكبر سناً من أنفسهم لأنّهم فشلوا في القيام بما قمتم به".
أخيراً، قام الوزير بتأييد وتوقيع وثيقة الحلول.
